برنامج نحن نحب القراءة لا ينتشر كمؤسسة، بل كفكرة.
مثل فيروس من الوعي لا يمكن احتواؤه، هكذا ينتشربرنامج نحن نحب القراءة عابرًا الحدود والثقافات والأجيال، وما بدأ كشعلة منفردة يتحول اليوم إلى حراك لا يمكن تتبع بداية أثره إلى أصل واحد. وتبدو المفارقة هنا أن البرنامج كلما نما، كلما غدا أصغر، و أكثر اختفاءاُ، ليختفي تماماُ في نهاية المطاف، فيما يواصل في مكانه ملايين الناس ممن يحملون رسالته ماضون قدما.
لا يسعى برنامج نحن نحب القراءة إلى الديمومة ككيان مؤسسي. بل يسعى للذوبان في الإنسانية.
إنه كالشمس لحظة الانفجار الأعظم، يتحول إلى أشعة متناهية … ضوء يصل إلى القلوب، لا إلى المواقع، لينتقل ذلك الضوء من شخص لآخر، من الآباء إلى الأطفال، من الأفراد إلى المجتمعات، بضيء الأجيال القادمة.
في قلب هذه الحركة هناك فعل بسيط: القراءة.
لكن القراءة كما يترجمها نحن نحب القراءة ، ليست مجرد فك شفرة حروف. إنها التأمل، الوعي و اليقظة، إنها تنمية التفكير النقدي والقدرة على التساؤل، والتمييز، ورؤية الأعمق على الدوام و فهم السرديات المفروضة سلطويا.
هذه البساطة تعكس جوهر رسالة الإسلام نفسها. فقد انتشر الإسلام ليس بالثروة أو الإكراه أو النفوذ، بل لأنه تحدث مباشرة إلى الفطرة الطبيعة الإنسانية. كانت رسالته واضحة، متاحة، ومواءمة للضمير الإنساني. لم يتطلب وسطاء فقط قلوب مستعدة للاستماع وعقول مستعدة للتفكر.
ومع ذلك، القراءة مجرد أداة، وليست الغاية القصوى.
هدف برنامج نحن نحب القراءة ليس محو الأمية لمجرد محوها، بل هو تنمية صانعي التغيير، أشخاص يتصرفون بناء على ماتلقوه بإدراك. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد طموح أخلاقي؛ بل ضرورة. فحين يبقى الخير سلبيًا، ينتشر الضرر بحرية. ويثبت لنا التاريخ أن الصمت والجمود أرض خصبة للظلم.
لذلك وُجد برنامج نحن نحب القراءة: لدفع الناس من الأفكار إلى العمل.
إنها الرحلة من الطواف إلى السعي، من الوعي إلى المسؤولية و من القراءة إلى العمل.
هنا تكمن الهمة بين المعرفة والفعل، الشرارة الداخلية التي تحول النية إلى حركة. البرامج والمبادرات والمنصات من يمكنها المساعدة في إشعال هذه الشرارة، وجميعها ذو قيمة، لكنها أدوات وليست الأصل، الأصل الحقيقي هو الإرادة البشرية المستيقظة .
وهذه اليقظة باتت ضرورة لأن التحديات التي تواجه عالمنا ليست معزولة بل مترابطة بعمق.
من الإبادة الجماعية في غزة، إلى العنصرية الممنهجة، إلى الانهيار البيئي، إلى صعود اليمين المتطرف عالميًا، هذه ليست أزمات منفصلة. إنها تجليات لنفس الأنظمة الأساسية من الهيمنة وإلغاء الإنسانية والإفلات من العقاب، حيث لا يمكن حل أي ظلم بمفرده دون معالجة غيره، و محاولة القيام بذلك لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج هياكل القمع القديمة تحت مسميات جديدة.
فلسطين هي الاختبار الحقيقي.
إذا تمكن العالم من مواجهة الظلم في فلسطين، وتمكن من محاسبة المشروع الصهيوني على جرائمه، فسيكشف تلك التناقضات الأخلاقية التي تدعم كل أشكال الظلم العالمي الأخرى. فلسطين تكشف فيما إذا كان القانون الدولي ذا قيمة، وما إذا كانت حقوق الإنسان عالمية، وما إذا كانت بعض الأرواح تعتبر قابلة للتضحية من أجل راحة آخرين.
وقد أظهرت أصوات مثل غريتا ثونبرغ، كيف تكون هذه النضالات مترابطةٌ كحبات المسبحة. سحب خيطٍ واحدٍ يكشفها جميعًا. قطع خيطٍ واحدٍ يُفكك البنية بأكملها، وهنا يكمن دور برنامج نحن نحب القراءة.
البرنامج اللامركزي في جوهره، حيث كل إنسان بحد ذاته هو أمة، قادر على التأثير والقيادة وإحداث فرق، فالتغيير لا يتطلب إذنًا أو ألقابًا أو مؤسسات.بل يبدأ حيث يقف الإنسان الواعي.
وعندما يتصرف الأفراد الواعيون بشكل جماعي، هنا يبدأ العالم بالتغير.
هذه هي رؤيتنا..
هذا عملنا..


